محمد سعيد رمضان البوطي
28
فقه السيرة ( البوطي )
فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه » ، فقال أكثم : عسى أن يضرني شبهه يا رسول اللّه ؟ قال : « لا ، إنك مؤمن وهو كافر ، إنه كان أول من غيّر دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيّب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي » « 1 » . وروى ابن هشام كيفية إدخال عمرو بن لحيّ هذا ، عبادة الأصنام في العرب ، فقال : خرج عمرو بن لحي من مكة إلى الشام في بعض أموره ، فلما قدم « مآب » من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد عملاق ، ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح - رآهم يعبدون الأصنام ، فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له : هذه الأصنام نعبدها نستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ، فقال لهم : أفلا تعطونني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له « هبل » فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه « 2 » . وهكذا انتشرت عبادة الأوثان في الجزيرة العربية وشاع في أهلها الشرك ، فانسلخوا بذلك عما كانوا عليه من عقيدة التوحيد واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره ، وانتهوا إلى مثل ما انتهت إليه الأمم الأخرى من الضلالات والقبائح في المعتقدات والأفعال . وكان من أهم ما دفعهم إلى ذلك كله الجهل والأمية والتأثر بمن كان حولهم من أشتات القبائل والأمم . غير أنه بقيت فيهم بقية من الناس - وإن كانت تقل مع الزمن - ظلت متمسكة بعقيدة التوحيد ، سائرة على نهج الحنيفية ، تصدق بالبعث والنشور وتوقن بأن اللّه يثيب المطيع ويعاقب العاصي ، وتكره هذا الذي استحدثه العرب من عبادة الأوثان وضلالات الرأي والفكر ، ولقد اشتهر من هذه البقية كثيرون ، كقس بن ساعدة الأيادي ورئاب الشنّيّ وبحيرا الراهب . كما أنه بقيت في عاداتهم بقايا من عهد إبراهيم ومبادئ الدين الحنيف وشعائره - وإن كانت تتضائل وتضعف مع الزمن - فكانت جاهليتهم تظلّ منصبغة ، بقدر ماء ، بآثار من شعائر الحنيفية ومبادئها ، وإن كانت هذه الشعائر والمبادئ لا تكاد تظهر في حياتهم
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام : 1 / 76 والقصب : الأمعاء ، وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار » . الحديث بألفاظ متقاربة ، والبحيرة : المبحورة ، ذات الأذن المبحورة أي المشقوقة وهي التي يمنع درها عن الناس للطواغيت ، والسائبة : التي كانت يسيبونها لآلهتهم . والوصيلة : الناقة تترك للطواغيت إذا بكرت بأنثى ثم ثنت بأنثى ، والحامي : الفحل من الإبل لا يركب ولا يحمل عليه إذا لقح ولد ولده . ( 2 ) سيرة ابن هشام : 1 / 77 ، وانظر كتاب الأصنام لابن الكلبي : 8 و 9 .